المشاركات

الغريبة

 (١) وهذه الذات الهشّة لا تقوى على الرفض ولا على علاماته ؛ ولربّما كان هذا نتاج ماضٍ بعيد تمنّت فيه أن تكون السيدّة الأولى لعرشٍ واهٍ ، تدّعي حُبّ الكُتُب والموسيقى والفن حتى تصنع لنفسها هوية ؛ فهي مُذ وجدت على سطح البسيطة لا تملك تعريفًا واضحًا لها ، وتعلم يقينًا أنّها لن تعرف أبدًا . تدعّي كل شيء ، حتى بات ادعاؤها حقيقتها وتاهت ذاتها - هل وُجِدت لتتوه؟-  في صباحات الشتاء الباردة تكتفي بنظرة مطولّة لوجهها في مرآة الحمّام ، تنظرُ عميقًا في حدقتيها علّها تجدُ ما لم يُوجد وتُعانق مخاوفًا لا تراها. ولربّما كانت الحقيقة الوحيدة أمامها والخالية من الإدعاءات - بل ربّما هي سببها - الخوف ، الخوف من كل شيء ولا شيء ولطالما واجهت هذه المعضلة ، إن كانت لا تجد المعنى في أيّ شيء ؛ إذن لماذا تخاف من كل شيء؟ أمّ أنها تخاف لأنّها لا تعرف المعنى؟  في أولّ مرّة قرأت فيها السطور الأولى لرواية الغريب  "اليوم ماتت أمي، أو لعلها ماتت بالأمس، لست أدري، وصلتني برقية من المأوى:الأم توفيت. الدفن غدا، احتراماتنا.وهذا لا يعني شيئا، ربما حدث الأمر بالأمس"  لم تشعر بالضيق ؛ بل بالخوف ... (٢) ...

لماذا فقدت الجوافة حلاوتها؟ من وحيّ الطفولة

" قبيل لاقيتو ..راكب بسكليتو  الشاب الظريف...القبل الشاطيء بيتو "       لا أسمع أبو داؤود لأولّ مرّة ، لكنني أبكي لأولّ مرة حين سماع " العجب حبيبي "  ، وفي هذه اللحظة تُخالجني مشاعر عميقة ، وحزن عنيف. لا أدري إن كانت هذه لعنة العشرينيات أم أنّه الوعي الذي يسبّونه ، و لا أهتم بتعريفه بقدر ما يهمني الألم الذي يصحبه  ، حتى أنّ أستاذ " ممدوح" بات ينعتني ب شوبنهاور العصر ، و هذا يبدو مضحكًا بطريقة مؤلمة.      تبدو الذكريات جليّة أمامي ،  تجعلني أنسى واقعي ، وألتحم مع مشاعري وأفكاري من زمن سحيق  ،  أذكر  شام  بوضوح ، أذكر صوته وأحاديثه ، أذكر الصلصال الذي كان يلعب به معي ، أذكر قُبعته الجينز الفريدة ، و أذكر حضوره القوي .      لا أعرف تاريخ اليوم - ولا أهتم - ، ولا أملك القدر الكافي من الأمل للتفكير في تاريخ الغد ، لكنني أملك الحسرة واللوعة الكافيتين للتفكير في يوم رحيل شام  .      و شام يعني الحُب بلهجة أهل الساحل والشرق ، وكان له نصيب من اسمه يجعلني أذكره حتى بعد مرور أكثر من خمسة عشر عا...

ليلى

-"اللازورد ! إنّه لون المعجزات "       يخبرني عمّ ممدوح، الرجل البسيط  الذي تعرفت عليه صُدفة أثناء تجوالي في سوق ديانا بوسط البلد ، الفنّان الذي يخزّن لوحاته في مخزن قديم برفقة أنتيكات أُخرى عفا عنها الزمن في أحد أزقّة حيّ الجمّالية موقنًا أنّ المجتمع لا يُقدّر الفن ولا الفنانين ؛ وهو ما دفعه إلى ترك الرسم الذي كان يرى فيه ملاذه ، وفضّل - مُجبرًا - أن يقضي نهاره يوزّع عينات من بعض العطور الرخيصة في وسط البلد .   - " الأزرق السحريّ الذي استخدمه كلٌّ مِن فرا انجيليكو ، وليوناردو دافنشي، ومايكل أنجلو "         يكملُ حديثه ناظرًا لنسخة بالية ورخيصة  من لوحة فيرمير ( الفتاة ذات القرط اللؤلؤي ) مشيرًا بالتحديد لوشاحها.   - "  هذا المسحوق اللوني مأخوذ من حجر مستورد من أفغانستان ، وكان نادرًا لدرجة أنّ ثمنه في عصر النهضة فاق سعر الذهب !".      فكّرت في ليلى ، صديقتي المُولعة بالفن و أحاديث الهُواة وتمنيت لو كانت هنا برفقتي.           يسهبُ عمّ ممدوح  في كلامه كأنّه يحيا على هذه اللحظات ...
أرتدي القميص الأبيض الذي اشتريته برفقة جدي في اكتوبر الماضي ، ويحيط  سوار هيلوكيتي معصمي، و هو نفس السوار الذي يحيط معصم صديقتي وابنة عمي عصماء ،  وكنا قد ابتعنا السوارين من متجر في وسط البلد أثناء زيارتها للقاهرة في أغسطس الماضي . في أيام كهذه تشعرُ نفسي بالحاجة للحب ، ولربّما اتخذّ قلبي ارتداء ما يشعرني بوجود من أحب كبديل للعناق الذي أحتاجه وأفتقده . يوم الاثنين - أي قبل يومين - كان يوم شم النسيم و بدء احتفالات الناس بالربيع ، وأظنّ أن هذه مساحة مناسبة للاستغراب في عادة الشعب المصري الذي يستقبل الربيع بأكل الرنجة!  أمّا عنّي فلم أستقبل الربيع بالرنجة ؛ بل استقبلته بتوصية من طبيب بالذهاب لمعالج نفسي والخضوع للعلاج السلوكي وهو شيء كنت أعرفه من قبل أن يقوله . " ماذا عن نقص فيتامين دال ؟" تسأل أمّي تحاول لفت انتباهه مجددًا لكميته الضئيلة جدًا في جسدي ، مشيرة لاحتمالية أنّ كل هذا قد يكون عرضًا جانبيًا لنقصانه ...فقط. وبالتفكير في الأمر ، تمنيت لو أنني استقبلت الربيع بالرنجة . لم أذهب للجامعة منذ الخميس الماضي ، وفضّلت رغمًا عني الحديث مع الوسوسات التي باتت جزءًا لا يتجزأ من ...
إن كنتُ أشتاق لشيء محدد في طفولتي أكثر من غيره فحتمًا ستكون سندوتشات خالتو فايزة ، وهي امرأة ودودة كانت مسؤولة عن كافتيريا المدرسة الابتدائية التي التحقت بها ، و ربّما هي - ودون أن تدري - جعلتني أتحرر من أحد مخاوفي ، الشطّة الحارقة التي تملأ بها سندوتش الطعمية ، ولولا أنّ الفترة طالت إلّا أنني أتخيل أنّ السندوتش لم يكن إلّا رغيفًا بالشطّة ، و ثلاث أو أربع - إن كنت محظوظًا- حبّات من الطعمية ، وفي أحيان أخرى سندوتشات سلطة أسود.       المضحك أنني الآن أتذكر خالتو فايزة كل مرّة آكل فيها من أكل الكافتيريا الرديء من الكليّة !  بل أنني أحيانًا أشتهي الشطّة والطعمية ، و أقارنها ب "سندوتش البطاطس السوري بالجبنة " أو " طاجن الزنجر" .   وتقول صديقتي أنّ سندوتش البطاطس السوري بالجبنة سيؤول يومًا ما ليصبح مثل سندوتشات خالتو فايزة ؛ ربّما بعد سنين عديدة ستتخلله الذِكرى كما تتخلل سندوتشات خالتو فايزة.       اذا كانت سندوتشات خالتو فايزة  جعلتني أتغلّب على خوفي من الشطّة، فما الذي ستجعلني سندوتشات بالبطاطس الرديء أتغلّب عليه ؟      وكعادت...

هل سيعيدني توتيل إليه؟

"انتي يا بنيتي لو قالوا ليك تسكني فوق في الجبل ولا تحت الشجر والغابة؟ "  " فوق في الجبل " أرد عليها ، آملة أن يكون هذا هو الجواب الصحيح . " برّي منّك ، عشان كدا شكلو مااا عندك أخوان ، بتدوري الوحدة مالك ؟ "  لم يكن جوابي صحيحاً اذن هذه المرّة ، في المرّة السابقة حرصتُ على أن تكون إجابتي " تحت الشجر " ...وكان ردّ حبوبة " بري منّك" . كنتُ طفلة صغيرة ، آبه لهذه النقاشات كثيراً ، كنتُ أتمنى أن تقول لي جدتي أنّ إجابتي صحيحة...وأنني لن أكون وحيدة. كنتُ صغيرة لكي أدرك أنّ جدتي كانت تستهويها ملامحي الغاضبة في كلّ مرّة ، لكنّها لم تعلم يوماً أنّها بثّت فيّ الخوف من الوحدة . الآن بعد أكثر من خمسة عشر عاماً ، أتمنى أن تعود طفولتي...وأسئلة حبّوبة لأخبرها أنّ " تحت الشجر و فوق الجبل كلهم واااحد ". أذكر أنني بعدها قررت الثبات على إجابة واحدة ، " فوق في الجبل يا حبّوبة " و لم أكن أحزن لردّها الدائِم " بري منّك " . وأظنّ أنني بدأتُ بحبّ توتيل بعد هذه النقاشات " الطفولية " . كان توتيل شامخًا دومًا ، أراه كل صباح ،...