الغريبة
(١)
وهذه الذات الهشّة لا تقوى على الرفض ولا على علاماته ؛ ولربّما كان هذا نتاج ماضٍ بعيد تمنّت فيه أن تكون السيدّة الأولى لعرشٍ واهٍ ، تدّعي حُبّ الكُتُب والموسيقى والفن حتى تصنع لنفسها هوية ؛ فهي مُذ وجدت على سطح البسيطة لا تملك تعريفًا واضحًا لها ، وتعلم يقينًا أنّها لن تعرف أبدًا .
تدعّي كل شيء ، حتى بات ادعاؤها حقيقتها وتاهت ذاتها - هل وُجِدت لتتوه؟-
في صباحات الشتاء الباردة تكتفي بنظرة مطولّة لوجهها في مرآة الحمّام ، تنظرُ عميقًا في حدقتيها علّها تجدُ ما لم يُوجد وتُعانق مخاوفًا لا تراها.
ولربّما كانت الحقيقة الوحيدة أمامها والخالية من الإدعاءات - بل ربّما هي سببها - الخوف ، الخوف من كل شيء ولا شيء ولطالما واجهت هذه المعضلة ، إن كانت لا تجد المعنى في أيّ شيء ؛ إذن لماذا تخاف من كل شيء؟ أمّ أنها تخاف لأنّها لا تعرف المعنى؟
في أولّ مرّة قرأت فيها السطور الأولى لرواية الغريب
"اليوم ماتت أمي، أو لعلها ماتت بالأمس، لست أدري، وصلتني برقية من المأوى:الأم توفيت. الدفن غدا، احتراماتنا.وهذا لا يعني شيئا، ربما حدث الأمر بالأمس"
لم تشعر بالضيق ؛ بل بالخوف ...
(٢)
لا أملكُ من الدُنيا إلا زوادة الذِكرى ، ولا أحلم بمستقبلٍ بعيد ، ولا أحيا في حاضرٍ باهت ؛ أوجدُ في المسافات الضيقّة بين الكلمات ، وأتمرد بعد نقطة النهاية .
في صباح الاثنين المنصرم قررتُ أن أذهب لمعرضِ القاهرة الدولي للكتاب - رغبة مني في إكمال مثالية إدعاءاتي- و صدف - بتخطيطٍ مني- أن يتواجد أحمد بخيت في ذلك اليوم احتفالًا بإصدار أعماله الكامِلة من دارة الشعر العربي بهيئة الفجيرة للثقافة والإعلام ، ولعلّها تلك اللحظات البسيطة التي يجتاحني فيها الدوبامين فأنظر إلى الدُنيا أثناءها نظرة مُحِب شغوف ، وأنتشي بليلى ، وليلى تذكّرني دومًا بشخصيتي الأحب من شخوصي العشرين.
وبرعتُ - كما عادتي- أن أبدأ في تبادل الأحاديث والابتسامات مع من حولي وكونت سريعًا علاقات يظنُ الماثلون أمامي أنّها ستدوم طويلًا ، وأدرك أنا أنني - وبسبب خوفي - سأبعثر كل الأسماء والنِكات من مخيلتي قبل وطء باب المعرض خارِجة ، ولربّما أكتفي بصفحة أو اثنتين عمّن عرفت في مذكراتي- امتنانًا لهم وتسكيتًا لتأنيب ضميري -.
حضرت مبكرًا ولم أجِد إلّا قلة قليلة فاكتفيت بتصفح الكتب والدواوين في الدار.
" هو انتي مصرية ؟" تسألني بكياسة كأنّها لا تحكم علي من لوني الأسمر .
" لا...سودانية " أجيب مبتسمة .
وتوقعتُ أنّها لن ترد بأجدع ناس ، ولم تفعل ، انتظرنا مجيء أحمد بخيت نتناقش عن بعض أشعاره ، أخبرتني عن حبيبها الذي سيدير اللقاء مع أحمد بخيت ، تقول أنّها أحبّت الشِعر وأحمد بخيت بعد أن قرأ لها حبيبها أبياتًا من شعر أحمد بخيت ، وهي تعلم أنّه ورغم تميّز شعرهِ إلّا أنّه ليس الأفضل ، لكنّها باتت ترى لِتُحِب.
" هو مفيش حاجة كدا ولا كدا؟"
برغم معاشرتي للمصريين إلّا أنني أنبهر دومًا بكمّ العفوية الذي يمتلكونه.
" لالا " أقول ضاحِكة .
وأودّ أن أزيد كلامي ، فلا أجد ما أقوله فأكتفي بابتسامة عريضة وايماءة تحثها على إكمال حديثها .
وأرى فيها بهجة وعنفوانًا فريدًا ، أهو الحُب؟
والحُب - كغيره من الأشياء - لم يسلُك طريقي يومًا ؛ رُغم أنني بحثتُ عنه دومًا ، وصوت بداخلي لا ينفك يخبرني أنني اليوم - وبتخطيطٍ مسبقٍ منّي - أتيت باحثة عنه مرةّ أخرى .
سألتني نورهان - وهي الفتاة المصريّة المفعمة بالحياة -إن كنت أريد الجلوس بجانبها في الصفّ الأول.
" الصف الأول عمره ما كان ليا " قلتُ ضاحكة وملوحّة بيدي ، تردّ لي بابتسامة بهيّة وتمدّ لي ورقة صغيرة فيها رقم هاتفها حتى نتواصل ، أخذت الورقة مبتسمة ، سلكتُ طريقي مبتعدة عنها وسائرة للخلف ؛ رغم مجيئي أولًّا ، اكتفيت بالنظرِ من خلفِ الزِحام - كعادتي-.
بدأ مدير الحوار الجلسة قارِئًا أبياتًا من قصيدة الليال الأربع المشهورة ، الليالي التي عاشتنا وعشناها...
وكنتُ في كلِ مرّة أرجع للخلف مبتعدة ، وكان الصوت وبغرابة يزداد وضوحًا والذكريات تبدو جليّة، لماذا رغم ابتعادي يقتربُ كل شيء؟
أُلقي نظرة خاطِفة لنورهان وأراها مبتسمة ، مُشعّة ، ينظر لها حبيبها بكل الحب ناسيًا أحمد بخيت بجواره وناسيًا وجود الجمع الغفير أمامه ، وناسيًا وجودي أنا - هل أدركَه يومًا؟-
يقول:
هنا
في المَقعدِ الخالي
مِنَ الجمهورِ
كلَّ مساءْ
ستجلِسُ
أجملُ امرأةٍ،
لتسمعَ
أجملَ الشعراءْ
وتنثُرَ
عطرَها الأبديَّ
في قمصانِهِ البيضاءْ!
تقول لأختِها:
انتظري
نحدِّثْهُ على عَجَلِ
أأطلُبُ رَقْمَ هاتفهِ؟
أكاد أموتُ
من خَجَلي
قفي لا تملئي
عينيكِ منه
إنّهُ رَجُلِي!
وأراها وهي تردد آخر الأجزاء فرِحة ، فأُسرع للخلف حتى لا أسمع ، وأنسى - أو أتناسى- وجودي.
وأتذكر ....
متى ألقاكِ؟
إنَّ الشِّعْرَ
أوجعُ ما يكونُ
الآنْ
ولا قاموسَ للأشواقِ
لا إيقاعَ للتَّحْنانْ
بياضٌ قاتلٌ
وَرَقِي
وقافيتي
بلا عنوانْ!
وأودّ أن أصرخ قائلة
أنا في البيتِ
والجدرانُ
مِنْ غيرِ الأحبةِ
سِجْنْ
يشيخُ البابُ
والدَّرَجُ اليتيمُ بلا خطاكِ
يئنّ
أحتّى هذه الأخشابُ
تُغْرَم مثلَنا
وتحِنّ؟!
وأجري ، أبتعد علّ الذكريات تتلاشى وأسمع صوته واضحًا ، وأعلم ،أعلم يقينًا أنني لن أنجو ، مني ومن ذاتي ومنه ، أشرّط الورقة التي فيها رقم هاتفها بعنف .
لقاءَ وصولِها
للشَّطِّ
تدفَعُ عُمْرَها
الموجةْ!
تعليقات
إرسال تعليق