ليلى
-"اللازورد ! إنّه لون المعجزات "
يخبرني عمّ ممدوح، الرجل البسيط الذي تعرفت عليه صُدفة أثناء تجوالي في سوق ديانا بوسط البلد ، الفنّان الذي يخزّن لوحاته في مخزن قديم برفقة أنتيكات أُخرى عفا عنها الزمن في أحد أزقّة حيّ الجمّالية موقنًا أنّ المجتمع لا يُقدّر الفن ولا الفنانين ؛ وهو ما دفعه إلى ترك الرسم الذي كان يرى فيه ملاذه ، وفضّل - مُجبرًا - أن يقضي نهاره يوزّع عينات من بعض العطور الرخيصة في وسط البلد .
- " الأزرق السحريّ الذي استخدمه كلٌّ مِن فرا انجيليكو ، وليوناردو دافنشي، ومايكل أنجلو "
يكملُ حديثه ناظرًا لنسخة بالية ورخيصة من لوحة فيرمير ( الفتاة ذات القرط اللؤلؤي ) مشيرًا بالتحديد لوشاحها.
- " هذا المسحوق اللوني مأخوذ من حجر مستورد من أفغانستان ، وكان نادرًا لدرجة أنّ ثمنه في عصر النهضة فاق سعر الذهب !".
فكّرت في ليلى ، صديقتي المُولعة بالفن و أحاديث الهُواة وتمنيت لو كانت هنا برفقتي.
يسهبُ عمّ ممدوح في كلامه كأنّه يحيا على هذه اللحظات التي يحكي فيها عمّا يُحبّ حقًّا ، وتعتليه نظرة حالِمة يُخيّل إلى الناظر إليه أنّها لِشاب في العشرين من عمره ؛ لا لكهلٍ قد جاوز الخمسين ، وحينها فقط لا يُعير انتباهًا لأوراق عينّات العطر التي تتساقط منه خِلسة ؛ تمامًا كأحلامه .
أصُبُّ تركيزي على النسخة البالية من اللوحة أمامي ، وفجأة يُخيّل إليّ أنّ الزمان مُعلّق في لحظة أبديّة ، النظرة الحالِمة في عينيّ عمّ ممدوح ثابتة وعن يميني وشمالي الناس متوقفون كأنّهم متجمدون كالشخوص في صورة فوتوغرافية ، و أوراق العِطر متناثرة في الهواء ، ثابتة لا تتحرك ، في موقف بثّ الرعب في كياني .
أعيدُ نظري للوحة فيرمير المعلّقة على الباب الزجاجي أمامي، والذي يظهر فيه انعكاس عمّ ممدوح وأوراق العِطر ، و انعكاسي ، بتلك النظرة الهَلِعة ، بدت لي مقلتاي واضحتان جدًّا ، رغم بعدهما عن الباب و كنت أرى بوضوح انعكاس لوحة فيرمير فيهما .
أحاولُ الاقتراب من الباب حتى ألمس اللوحة وكنتُ كمن يحاول المشي تحت الماء ، أتمكّن بمشقّة من ولوج ذلك السِحر الذي أطبق على الزمان ، ولا أستطيع أن أفهم ماهيّة ذلك العبء اللامرئيّ الذي كنتُ أجرّه ورائي وكان بدوره يصعبُ عليّ التقدّم .
في اللحظة التي ألمس فيها اللوحة ، أرى ليلى في انعكاسي تنظرُ لي ، بابتسامتها المعهودة و نظرتها الفريدة ، ولا أراني .
لا أذكر المرّة الأولى التي تعرفتُ فيها إلى ليلى ، وأخال أنني تعرفتُ عليها في زمانٍ بعيد ، ربّما قبل تسع عشرة سنة في منزل العائلة في الحاج يوسف بمدينة بحري .
أذكرُ أنّ لُعبتي المفضلة كُسرت حين كنتُ ألعب مع ابنة عمي ، ولم أبيّن انزعاجي حتى لا أزعج من حولي رُغم أنني شعرت بوجعٍ في صدري ودموع بلوريّة حرصتُ أشدّ الحرص ألّا تبلل خديّ ، فأنا كبيرة بما فيه الكفاية حتى لا أبكي على مثل هذه التوافِه ، وبالفعل لم يهتم أحد ، لأنني - وبكلّ بساطة - لم أبيّن انزعاجي.
لاحقًا حين استلقيت على سرير النوم في الحوش الواسع الفسيح ، شعرتُ بتلك الدموع البلوريّة تعود مجددًا كي تبلل خديّ ، وذلك الوجع الأخرس أصبح أشدّ قسوة .
حتى شعرتُ بيدٍ تمسح تلك الدموع ، يدٍ تُربّت على ظهري بدفء ، جاعلة لذلك الوجع الأخرس صوتًا يتكلّم به ، ولم أشعر بالفضول عن ماهية صاحب اليد ، فضلّت -بعقلي الصغير - أن أُحرر وجعي.
في الصباح تساءلتُ كثيرًا عن هذه الشخصية ، تلك اليد التي انتزعت مني وحدتي ، حتى ظهرت لي بعد يومين من الاختباء بخجل خلف شجرة الجهنميّة المُلاصقة لباب الشارع ، صديقتي ليلى.
وليلى تعرفني مذ كنت طفلة صغيرة ، ربتت على ظهري واحتضنتني في أحيانٍ كثيرة، هي الوحيدة التي شهِدت دُموعي، وكانت دومًا تهب الصوت لوجعي الأخرس.
أذكرُ أنّها سهِرت معي حين رسبت في امتحان الفيزياء في الثانوية ، وواستني حين رفضني أول شاب أعجبني ، وظلّت تسمع معي أغاني الجابري وتُناقش معي أفكاري الجامحة ، و تشاركني لوحات فنانيها المفضلين ومن أبرزهم كلود مونيه ، كانت تحب الطبيعة الخلّابّة ، وتحبّني.
ولربّما أبسط ما أستطيع وصفها به هو أنها وهبتني الصوت لكلّ شيءٍ أخرس بداخلي.
وليلى تركتني منذ سنتين ، لم أعد أراها ولا أشعرُ بحضنها الدافيء ، و عادت أوجاعي خرساء مجددًا .
ولا أدري لماذا أراها اليوم في انعكاسي ؟ ولماذا نظرتها ثابتة ، لماذا لا ترمش؟ لماذا لا تسرعُ لاحتضاني؟ لماذا لا تتقدّم نحوي؟ لماذا أراها ولا أراني ؟
وتحوّل كل الشوق بداخلي لغضب شديد و حنق ، ضممتُ قبضتي وانفجر الغضب بداخلي فانهلتُ ضربًا على الباب الزجاجي أمامي ، أوجّه اللكمات يمينًا وشمالًا حتى تناثرت شظايا الزجاج وسالت الدماء من قبضتي ، واختفت ليلى وسقطت اللوحة البالية لفيرمير ، لمحتُ نظرة الفتاة ذات القرط اللؤلؤي الذي أصبح ملطخًا بدمائي وشاهِدًا على جنوني .
هل ليلى أنا؟ أم أنا ليلى؟
وعاد الزمان واختفى ذلك السحر المحيط به والتقطت أنفي أحد الروائح الرخيصة من أوراق العطر التي يحملها عمّ ممدوح معه ، رائحة كوكو شانيل مُقلدّة.
وسمعت صوت صديقتي تقول موبّخة :" مش قلت ليك ما تهملي أدويتك ؟"
أحاولُ الاقتراب من الباب حتى ألمس اللوحة وكنتُ كمن يحاول المشي تحت الماء
ردحذفيقول بخيت في رائعته:
بغير الماء يا ليلى تشيخُ طفولة الإبريق
الماء هو الجواب يا أنتِ يا ليلى (أيكما أقرب)